مفهوم التصفية والتربية

ayman

La Ilaha Illa Allah
Staff member

مفهوم التصفية والتربية

لافي يوسف الشطرات




التصفية: هي تنقية الإسلام «الإسلام مما ليس منه عقيدة وأحكاماً وأخلاقاً ليعود يتلألأ نقياً في ثوب الرسالة كما أنزل على محمد –عليه السلام-»(1).

وهذه التصفية «ليست حديثية حسب ما يتوهم أنصاف المثقفين، بل مجالاتها كثيرة تشمل كلّ الدين، من العقيدة، والحكم والتحاكم، وعلوم القرآن وتفسيره، والسنة والحديث وعلومها، والفقه وأصوله، والسلوك والتزكية، والتأريخ والدعوة واللغة وهذا ما يحققه التجديد»(2).

ولما كانت كل من «التصفية والتجديد والإصلاح لن تؤتي أكلها إلا بتربية المسلمين على الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم»(3) قرنت التصفية بالتربية.

معنى التربية:

«بلوغ النفس البشرية كمالها المهيأ لها شياً فشيأ»(4).

«وهي بناء الإنسان على ما يحقق الهدف السامي من خلقه»(5).

وهذا كله لا يتحقق إلا إذا كانت التربية «تستضيء بذور الشريعة الإلهية وتيسر وفق أحكامها وصلاحها»(6).

من أجل هذا كله «قامت التربية الإسلامية منذ بدأ ظهورها على أمرين هما: الكتاب والسنة، ولما كان القرآن كتاباً ثابتاً منذ أنزل حتى اليوم، يحفظه المسلمون ويرجعون إلى أحكامه ويهتدون بآياته، وكانت السنة النبوية مدونة كذلك، ويحفظها أئمة المسلمين وهي تعد مكملة لكتاب الله ومفضلة لأحكامه ونبراسها يهتدي بها المسلمون في سلوكهم فلا غرابة- والحالة هذه- أن يمتاز الإسلام بضرب خاص من التربية تختلف في أهدافها ووسائلها عن ألوان التربية الأخرى التي سادت حضارات الإسلام شتى على مر الزمان واعتمدت على دعائم مغايرة لتعاليم الإسلام»(7).

ظهور التربية في الإسلام:

قبل أن نتكلم عن هذا الأمر لا بد لنا أن نعلم «المربي على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، فهو خالق الخلق وواهب المواهب، وأكد هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم آت نفسي تقواها وزكاها وأنت خير من زكاها،أنت وليها ومولاها» من أجل هذا نسبت التربية إلى الرب، فقيل التربية الربانية»(8).

ويتقرر هذا بوضوح إذا عرفنا «أن الله عز وجل أنزل لهذا الإنسان منهجاً للتربية والتوجيه، ذلك المنهج الرباني الذي يتناول الإنسان من تاريخ ولادته، وتتبعه طفلاً ويافعاً وشاباً وكهلاً حتى يموت... (ف) صانع منهج التربية الإسلامية الصالحة هو صانع الجهاز الآدمي- البشري- وموجده، والخبير بكل خلجة من خلجاته وبكل خلية من خلايا جسمه، وبكل ذرة من ذرات تكوينه»(9) {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}[الملك:14].

وهذا لا يمنعنا أن نقول أن ظهور التربية في الإسلام كان «منذ بدء ظهوره وذلك على يد أستاذ البشرية محمد -صلى الله عليه وسلم- وحامل رسالة فخر الإنسانية الذي أرسله الله -تعالى- إلى الناس كافة يعلمهم أمور دينهم ودنياهم ويرشد إلى الطريق المستقيم، قال -سبحانه-: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة:2]، وهكذا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول معلم في الإسلام»(10).

وبعد وفاته -عليه السلام- أصبحت «تربية الناس هي وظيفة العلماء العاملين وهم الربانيون، وذلك بتعليمهم الناس كتاب ربهم وسنة نبيهم كما قال تعالى: {ولكن كونوا ربانين بما كانتم تعلمون الناس الكتاب وبما كنتم تدرسون} {آل عمران: 79}(11) ولذلك فسر بعض أهل العلم الربانين بأنهم «هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره» (12).

«فما أحوجنا إلى علماء ربانين صادقين، ليأخذوا بيد هذه الأمة إلى سبل السلام، فابن الأمة أحوج ما تكون إلى الأسوة والقدوة المتمثلة بأخلاق علماء الجيل الأول الذين تمثلوا أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان خلقه القرآن، فتزكوا الأمة بهم، ويكون لها التمكين في الأرض وما ذلك على الله بعزيز»(13).

ولم تستقط راية التصفية في أي عصر من العصور بل «إن عدول الأم ةمن السلف الصالح وأتباعهم في كل قربن يقومون بواجب التصفية ليعود الإسلام نقياً صافياً كما أنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وورثه أصحابه»(14).

وللعلاقة الوثيقة بين التصفية والتربية يمكن أن يقال: «أن التصفية تربية والتربية تصفية، فالتعلم والتعليم تصفية وتربية؛ لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»(15)(16).

حكم التصفية والتربية:

«لقد امتدت يد التحريف إلى صفاء الإسلام حتى لوثته، وإلى جماله حتى شوهته لذا كانت تصفية من كل دخيل من أوجب الواجبات، ما دام الحق الذي بعث الله به نبيه مضمون البقاء إلى اليوم تبدل الأرض والسماوات بضمان الله القائل {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9] وإذا دب التحريف إلى قوم وشحت مناهجهم عن التصفية، أصابتهم حيرة لا يفرقون معها بين حلال وحرام كم قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا أن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطاناً»(17) ولما كانت الجاهلية على هذا الوصف الذي في الحديث، بعث الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- مخلصاً لها دينها من الشوائب ومربيا لها على الإسلام الذي ارتضاه لها ربها وعلى قاعدة (التصفية والتربية) وإن شئت قل (التخلية والتحلية) كانت دعوة الإسلام»(18).

وقد لخص إمام أهل السنة في عصرنا هذا – الألباني- رحمه الله- حكم التصفية والتربية بقوله «لا بد أن تبدأ بالتصفية والتربية، وأي حركة لا تقوم على هذا الأساس لا فائدة منها مطلقاً»(19).

وهذا المعلم الشامخ- التصفية والتربية- احتل مساحة كبيرة من مجلة الأصالة، واتضح ذلك من خلال مقالات عديدة وكثيرة ألقت الضوء على جوانب مهمة في (التصفية والتربية) أو (السلوك وتزكية النفس)، اذكر بعضها على وجه الإجمال:

* أن تزكية النفوس تبدأ (بإصلاح حديث النفس) « الذي يهمله بعض المربين والمهتمين بقضايا تزكية النفس... ولعل من أهم أسباب إهمال هذا الجانب الجهل بخطورته وأثره في الأعمال الظاهرة والباطنة، فالأعمال بمثابة الشجرة التي بذرها الخواطر وأحاديث النفس، وأرضها وترتها القلب، وقد تكون هذه الشجرة طيبة، وقد تكون خبيثة بحسب البذور والتربة.

«وإذا أدركنا أهميّة حديث النفس في أعمال القلوب أدركنا أهميتها بالنسبة لأعمال الجوارح وفي الصحيحين «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»(20).

* إذا ضبط المسلم نفسه بإصلاح حديثها وجب عليه الإهتمام بألفاظ لسانه فإنه «حري بكل مسلم أن يعرف موقع كلامه في الإستعمال فيتحير من الألفاظ الجائزة التي لم يكره الشرع استعمالها، أو لم يأت نص بتحريم استخدامها.. (لأن) تحديد المباني اللغوية، ووضوح دلالة معانيها اللغوية أمر ذو قيمة في البناء الثقافي للأمة إلى درجة أصبح كثيرة من الباحثين والمؤلفين يفردون صفحات في مقدمة مؤلفاتهم لمعجم المصطلحات المستعملة والدلالات التي أرادوها من استعمال هذه المصطلحات، وهي طريقة محمودة ثقافياً، حتى لا يحمل الكلام مما يحتمل، ولا يقول الإنسان ما لم يقل(21).

* لا تقف عملية التزكية وإصلاح السلوك باهتمام المسلم بقلبه ولسانه، بل لا بد له من إصلاح ما بين إخوانه المسلمين فإن «من أفضل الأعمال وأقرب القربات إلى الله إصلاح ذات البين بين المسلمين، ومنع وقوع فساد ذات بينهم لقوله سبحانه: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال:1]، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة(22).

ولكن ينبغي أن يعلم «أن إصلاح ذات البين أمر جليل لا يحسنه كل أحد، فيجب أن يكون الذي يقوم بهذه المهمة مخلصاً، يخاف الله في السر والعلانية، عادلاً عارفا بحقيقة القضية(23).

* إن ما سبق ذكره من جوانب (السلوك وتزكيةالنفوس) لا تؤتي ثمارها إلا إذا كان المسلم ذا نفسية مستلمة لله، وللأسف فإن «كثيراً من المسلمين عامتهم وخاصتهم يخلون بشرط هام من شروط الإسلام بل بصفة أساسية فيه، تلك هي صفة الإستسلام لأمر الله سبحانه والتسليم لما جاء عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- دون احتجاج أو اعتراض، (فإن) اسم هذا الدين الحنيف: الإسلام، وقد استمد من هذا المعنى، فهو خضوع كامل من الإنسان لربه ومولاه تبارك وتعالى دون توقف أو تردد ودون تلكؤ أو تحرج... فلا يكفي لادعاء الإسلام أن يشهد المرء بالشهادتين ويؤدي العبادات وغيرها ويظهر الحماسة للدين ثم إذا عرضت له آية كريمة أو حديث صحيح عارضهما بهواه وخالفهما بفعله واستخف بأحكامها في سلوكه(24).

* مادة السلوك والتزكية هي الأخلاق الصالحة في الإسلام التي «تتجلى في كل أمر من أوامره ونواهيه: دقيقها وجليلها، فكانت- بحق- بعثا جديداً في جوهرها، وكل مسالكها ودروبها ونظمها».

ومن المفيد ذكره « أن الأخلاق الإسلامية تتبع من الكتاب والسنة، ولذلك فهي والفقه في الدين صنوان، وقد جاء ذلك صريحاً في أحاديث كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: « خياركم إسلاماً أحسانكم أخلاقا إذا فقهوا(25)، وقد ارتبطت خيرية الإسلام بأمرين:

أ- حسن الخلق.

ب- الفقه في الدين.

ومعلوم أن من فقه الله في الإسلام فقد أراد به خيراً كما في قوله « من يرد الله به خيراً يفقه في الدين(10) فعادت الأخلاق الإسلامية إلى الفقه في الدين».

ولم يقف الأمر إلى هذا الحد بل « كانت الأخلاق في تصور خير القرون عقيدة، فتبوات في حياتهم مكاناً عالياً، فكتب التاريخ سيرتهم بحروف عطرة»(26).

ونهاية القول « الأخلاق الكريمة صلب الشريعة، وجماع الدين الذي بعث الله به محمداً -صلى الله عليه وسلم- فلا بد من تحقيقها في النفس المسلمة حتى تقلح وتقوم على أمر الله... ومما يؤكد هذه البدهية قوله -عليه السلام-: «إنما بعثت الأمم مكارم- وفي رواية: صالح- الأخلاق» (27) (28).

خلاصة ما سبق:

أن «التصفية والتربية ليست نظرية خيالية أو فرضية احتمالية أو تجربة ذاتية تطبق على السلفيين كعينات مخبرية بل هي حقيقية إيمانية.. فلا تزكية إلا بتربية ولا تعليم إلا بتصفية، ولكن التخلية قبل التحلية»(29).



----------------------------------------------

(1) «الأصالة» (1/17).

(2) «البصائر» (118-121).

(3) «البصائر» (128).

(4) «البصائر» (128).

(5) «البصائر»: 131 .

(6) «البصائر»: 129.

(7)- الأصالة: (15، 16/45).

(8) -«البصائر» (128-129).

(9) -الأصالة (15، 16/54).

(10) - الأصالة: (15، 16/54).

(11) – الأصالة: (22/80).

(12)- «البصائر» (141).

(13)- الأصالة: (3/43).

(14)- «البصائر»: (115).

(15)- البخاري (4639) والترمذي (2832).

(16)- الأصالة: (22/80).

(17) رواه مسلم.

(18) «المدارك»: (84-85).

(19) «البصائر» (118).

(20) الأصالة: (19/47و49).

(21) الأصالة: (18/47).

(22) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي.

(23) الأصالة: (20/13و17).

(8) الأصالة: (7/16-17).

(24) البخاري، « الأدب المفرد».

(25) متفق عليه.

(26) الأصالة: (12/37).

(27) البخاري «الأدب المفرد».

(28) «الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة» (269-270).

(29) الأصالة: (22/80).


شبكة المنهاج الاسلامية www.almenhaj.net

 
Top